الحلبي
560
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الأرض قبل وصول بيت المقدس ، وقال له : هنا « مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة ، وأرضها واسعة ، فقال له : وما غراس الجنة ؟ فقال : لا حول ولا قوة إلا باللّه » وفي رواية أخرى « أقرئ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء ، وأن غراسها سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » . وقال يقال : لا مخالفة بين الروايتين ، لأنه يجوز أن يكون غراس الجنة مجموع ما ذكر وأن بعض الرواة اقتصر . قال صلى اللّه عليه وسلم « واستقبلتني جارية لعساء وقد أعجبتني ، فقلت لها : يا جارية أنت لمن ؟ قالت : لزيد بن حارثة » أي ولعل تلك الجارية خرجت من الجنة فيكون استقبالها له صلى اللّه عليه وسلم بعد مجاوزة السماء السابعة ، لكن في رواية « فرأيت فيها أي في الجنة جارية » الحديث . وقد يقال : يجوز أن يكون رآها مرتين خارج الجنة وداخلها فيكون سؤالها في المرة الأولى . واللعس : لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا ، وذلك مستملح قاله في الصحاح . وفي رواية « فلما انتهى إلى السماء السابعة رأى فوقه رعدا وبرقا وصواعق » أي وهذه الرواية ظاهرة في أنه صلى اللّه عليه وسلم رأى ذلك في السماء السابعة محتملة لأن يكون رآه قبل دخوله فيها ، وحينئذ يكون قوله ثم أتى بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل على الاحتمالين المذكورين . وعند عرض تلك الأواني عليه صلى اللّه عليه وسلم أخذ اللبن فقال جبريل : أصبت الفطرة : أي بأخذك اللبن الذي هو الفطرة ، أصاب اللّه عز وجل بك أمتك على الفطرة : أي أوجدهم على الفطرة ببركتك . وفي رواية « هذه الفطرة التي أنت عليها وأمتك » أي وتقدم أن المراد بها الإسلام . وورد أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في السماء السادسة ، وموسى في السماء السابعة ، وهذه الرواية في البخاري عن أنس ، وتقدم أن ذلك كان في الإسراء بروحه صلى اللّه عليه وسلم لا بجسده ، وفيه أن رؤيا الأنبياء حق . فالأولى الجمع بين الروايات بالانتقال ، وأن بعض الأنبياء نزل من محله إلى ما تحته لملاقاته صلى اللّه عليه وسلم عند صعوده ، وبعضهم خرج عن محله وصعد إلى ما فوقه لملاقاته صلى اللّه عليه وسلم عند هبوطه ، فأخبر صلى اللّه عليه وسلم عنه تارة بأنه في سماء كذا وتارة بأنه في سماء كذا ، والحافظ ابن حجر لا يرى الجمع ، بل يحكم على ما خالف أصح الروايات بأنه لا يعمل به . قال : والجمع إنما هو مجرد استرواح لا ينبغي المصير إليه هذا كلامه .